رحلة البابا شنوده الثالث مع العلم والمعرفة والتكوين الثقافي، رحلة طويلة جدًا، بدأت معه منذ صباه، فقد شغف قداسته بالقراءة والبحث في باكورة حياته، وأصبح هذا الأمر نمط حياة بالنسبة له، فهو دائم التعليم والتعلم، وهو قائد روحي كبير، ولاهوتي قدير، وأديب ومفكر، بل هو من قادة الفكر، يمتلك مواهب متعددة، وقدرات فكرية فريدة، وبالإجمال يُعد قداسته شخصية استثنائية ليس في تاريخ الكنيسة فقط، بل في تاريخ الإنسانية.
قال عنه الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، في إحدى المرات التى قدمه فيها: “هذه الشخصية العظيمة التي تحظى بحب كل المصريين أقباطًا ومسلمين، والتي تحظى بذلك التقدير العالمي الذي جعل من أقباط مصر ومن الكنيسة المصرية مركزًا لثقل الحضارة المصرية، ومجدها في الداخل والخارج. أضفى من شخصيته ومن علمه ومن هيبته ومن قدرته على الإقناع والحديث، ومن منصبه الديني الرفيع، أضفى من كل ذلك على روح مصر التي تحب التسامح، والتي تحب السلام والتي تقف موقف الحب بين شعبها وبين شعوب العالم. مواقفه الدينية والسماوية والإلهية معروفة لنا جميعًا، مواقفه السياسية والوطنية، وقدرته على حسم الوطنية المصرية بما يتخذه من قرارات خاصة بأعداء الوطن هي أيضًا مواقف مشرفة لكل مصري وكل زعامة مصرية. هو زعامة تاريخية بحق، وهو رجل من أعظم رجال هذا العصر”.
قضى قداسته حياته كلها بين الكتب باحثا وقارئًا ومُعلمًا. ولقد كان قداسته دائمًا يحث على التعليم والقراءة والمعرفة، لذا نرى أن قداسته قام بخطوة كبيرة فى مجال التعليم بانشاء المعاهد المتخصصة (معهد الكتاب المقدس– معهد الأفريقيين– معهد الرعاية والتربية)، واهتم قداسته بالمكتبة لخدمة العملية التعليمية في الكنيسة، وظل معلمًا يقرأ ويكتب ويعظ ويحاضر إلى يوم نياحته.
وعلاقة قداسة البابا بالمكتبة والكتب تعود إلى زمن بعيد، حيث عهد إلى قداسته وهو راهب بدير السريان بمكتبة الدير، فقام بترتيبها وتنظيمها وزودها بالمراجع والمخطوطات وأمهات الكتب، وجعلها من أكبر المكتبات فى الأديرة. وقام بعملية نشر لمخطوطات ودراسات من الكتب الأمهات، كانت توزع باسم إصدارات دير السريان. ثم عندما سيم أسقفًا للتعليم عمل على النهوض بالمكتبة فزودها ورتبها بنفسه، كما عهد لبعض الآباء بفهرست وترتيب المكتبة، واهتم نيافته بالترجمة والتأليف والنشر، لذا كانت فترة خدمته في الكنيسة فترة نهضة تعليمية غير مسبوقة.
أيضًا كان لدى قداسته مكتبة كبيرة جدا فى المقر البابوى بالكاتدرائية بالعباسية، بها آلاف الكتب والمراجع في شتى العلوم المختلفة.”ويكفى لإعطاء فكرة عن مدى ضخامتها أنه أهدى منها 5000 كتاب لدير “الأنبا بيشوى”. في عام 1975م كانت دعوة قداسة البابا لإقامة (معرض الكتاب القبطي)، والذي ضم مجموعة من المؤلفات التي صدرت فى القرن الأخير، وخاصة في محيط الكلية الإكليريكية، وقد عهد قداسته إلى نيافة الأنبا بيمن الأسقف العام وقتئذ بالإشراف على هذا العمل.
والجدير بالذكر، أن مجلة الإيمان كانت قد دعت إلى إقامة معرض الكتاب القبطي سنة 1960م، وأسهمت فيه دور النشر القبطية ومعهد الدراسات القبطية، وقد أفتتحه نيافة الأنبا يوأنس مطران الخرطوم وقتئذ. ثم توالى بعد ذلك إقامة معرض الكتاب القبطي، وازدادت حركة التأليف والترجمة والنشر مع مرور الوقت.
أما عن علاقة قداسة البابا شنوده بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فكانت بمثابة ظاهرة موسمية ينتظرها الجميع في مصر، وكان يوم حضور قداسته للمعرض تظاهرة ثقافية ضخمة يحضرها أكبر عدد من الجمهور، لا أعتقد أن حظيت أي ندوة أو ضيف بهذا الإقبال غير المسبوق، وكانت كلمات قداسته مبهرة للجميع، وكل كلمة تخرج منه بحكمة بالغة وعمق وبميزان دهب، لذا كان قداسته يُقابل بحفاوة بالغة كأعظم قادة الفكر، وكانت ندوة قداسته تمتد لوقت طويل حيث كان يتلقى العديد من الأسئلة في كل المجالات، وكانت إجابات قداسته شافية ووافية ومقنعة وعميقة جدًا بطريقة تدهش كل من يسمعه. وكان الجميع ينتظر ذلك اليوم الذي يحضر فيه قداسته بشوق كبير.
وقد تكلم قداسته في معرض القاهرة الدولى للكتاب في عدة موضوعات منها على سبيل المثال: المعرفة، العقل، الحق، القوة، القيادة الفكرية أو ما يقود الإنسان في حياته.
أختتم مقالي بما قاله الدكتور حمدى زقزقوق وزير الأوقاف الأسبق:” قداسة البابا شنوده الثالث يُعد شخصية فريدة، حيث يتمتع بميزات عديدة قل أن نجدها في شخصية أخرى. فهو زعيم ديني كبير يتمتع بذكاء خارق واطلاع واسع وثقافة موسوعية وحكمة يغبطه عليها الكثيرون. وفضلًا عن ذلك فهو شخصية مرحة ومنفتحة على الناس جميعًا. ومن أجل ذلك فإنه يحظى باحترام وتقدير كبيرين لدى المصريين جميعًا مسلمين وأقباطًا”.