البابا شنودة والصحفي المثالي
الدقة والموضوعية ونشر ما يفيد القراء
د. رامي عطا صديق
مارس قداسة البابا شنوده الثالث (1923-2012م)، البطريرك الـ “117” من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1971-2012م)، العمل الصحفي في حياته كأحد مجالات الخدمة الدينية الكنسية، روحيًا واجتماعيًا، منذ أن كان شابًا مدنيًا/ علمانيًا يحمل اسم “نظير جيد” مرورًا برهبنته وأسقفيته ثم جلوسه على كرسي القديس مرقس الرسول.
كتب قداسته مقالات كثيرة ومتنوعة منذ شبابه وحتى نياحته، سواء في عدد من الصحف الدينية أو في عدد من كبريات الصحف العامة، فمن الصحف الدينية التي نشر مقالات بها مجلة (الحق) لمؤسسها القمص يوسف الديري، ومجلة (مدارس الأحد) التي صدرت عام 1947م وتولى إدارتها ورئاسة تحريرها لفترة قبل رهبنته (1949-1954م)، ومجلة (الكرازة) التي أصدرها سنة 1965م، ومن الصحف العامة جريدة (الجمهورية) وجريدة (أخبار اليوم) وجريدة (الأهرام)، ومجلة (الهلال)، بالإضافة إلى جريدة (وطني) ذات الاهتمام الخاص بالشأن المسيحي والقبطي، وكان البابا شنوده يعتز بكونه عضوًا في نقابة الصحفيين التي اعتزت من جانبها بانتسابه لها، حيث يحمل قداسته بطاقة عضوية نقابة الصحفيين رقم “156” جدول المنتسبين “م”، وتاريخ القيد “26 مارس 1966م”، وقد حاضر قداسته في نقابة الصحفيين مرتين، الأولى عام 1966م والثانية في عام 1971م عن إسرائيل في رأي المسيحية.
ويبدو أن قداسة البابا شنوده الثالث قد تأثر في اهتمامه الصحفي بأستاذه ومُعلمه “الأرشيدياكون” حبيب جرجس (1876-1951م)، الذي آمن بأهمية الصحافة ودورها في خدمة الكنيسة والوطن، إلى جانب الوعظ والإرشاد الروحي وتأليف الكتب، كوسيلة لنشر الثقافة والمعرفة وتهذيب الجمهور من خلال تقديم القيم السامية والمبادئ الإنسانية الراقية، حتى أن بعض الباحثين يربط بين اهتمام البابا شنوده الثالث بالعمل الصحفي كوسيلة للخدمة، وبين اهتمام الأرشيدياكون حبيب جرجس بهذه الخدمة أيضًا، فمن بين مظاهر اهتمام الأرشيدياكون حبيب جرجس بالصحافة أنه أصدر مجلة (الكرمة) سنة 1904م، وهو يقول في كتابه “الوسائل العملية للإصلاحات القبطية”، الذي صدرت طبعته الأولى بالقاهرة سنة 1942م: “المطابع والصحافة والنشر من نعم هذا العصر. وهي خير وسيلة للدعاية والإذاعة، ولها في نشر الثقافة بين الشعب تأثير عظيم. وللدعاية في هذا العصر شأن كبير”، فقد ساهم في مجال النشاط الصحفي عدد من رجال الدين، والمدنيين أيضًا، ممن ينتمون للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بالإضافة إلى عدد من الجمعيات الأهلية القبطية ودور النشر المسيحية، ممن اهتموا بالنشاط الصحفي كأحد مجالات الخدمة الكنسية، الروحية والاجتماعية، وسبيل لتقديم الثقافة المسيحية والقبطية لجمور القراء، ومنها صحف للكبار وصحف أخرى للأطفال والنشء والشباب، وهي ظاهرة مستمرة إلى اليوم، إذ لا يزال المواطنون الأقباط، المصريون المسيحيون، يهتمون بإصدار الصحف الدينية، من خلال الكنائس والأديرة والجمعيات الأهلية، وهي صحف تهتم على نحو رئيس ومباشر بنشر الموضوعات الروحية والتأملية والتفسيرية والوعظية، بالإضافة إلى نشر أخبار الكنيسة القبطية وأنشطة آبائها.
ناقش قداسة البابا شنوده الثالث في مقالاته التي نشرها في مجلة (الكرازة) خلال الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر 1975م سمات الصحفي المثالي وصفاته، وقد دارت في مجملها حول الالتزام بالدقة والموضوعية ونشر ما يمثل فائدة لجمهور القراء. وتناول البابا شنوده في صحف (الجمهورية- أخبار اليوم- الأهرام)، عددًا من قضايا المجتمع، منها قضية الحرية بوجه عام وقضية حرية الصحافة بوجه خاص، حيث انطلق من عدة أسس ومبادئ، على النحو التالي:
- الحرية تقابلها مسئولية وكل حق يقابله واجب.
- ضوابط الحرية تفيد ولا تضر.
- حرية الصحافة ترفض الإساءة إلى الآخرين.
- حرية الصحافة ترفض الشائعات والإثارة والمبالغات.
- حرية الصحافة ترتبط بالصدق والدقة وصحة المعلومات.
- حرية الصحافة ترتبط بالموضوعية.
- حرية الصحافة تحترم القانون والنظام العام.
كما اهتم البابا شنوده الثالث بتقديم بعض النصائح، سواء للكُتّاب أو للقراء، فهو يدعو كل شخص، ومن ثم كل كاتب، لأن يفكر جيدًا في عواقب أي عمل يقوم به ونتائجه وردود الأفعال قبل الإقدام عليه، ويدعو القارئ دائمًا إلى أن يكون حكيمًا في الحكم على ما يقرأه في الصحف وما يصل إليه من أخبار، ليتبين صدقها ومدى دقتها، وهو يطلب من القارئ صراحة ألا يصدق كل ما يُكتب، وإنما يتناول كل الأخبار بالفحص والبحث والتدقيق.