الآباء المدافعون كانوا أقوياء ثابتين على الإيمان، أقوياء في الحق لم يُرهبهم شيء ولم يهادنوا أحدًا على حساب الكنيسة. بل قابلوا كل تعليم غريب بحزمٍ وبقوةٍ، وقد نالهم من جراء ذلك الكثير والكثير من المتاعب ومن سهام إبليس المتقدة. وعلى مر التاريخ نجد أنَّ الآباء المدافعين قد تعرضوا لإتهامات وإدعاءات باطلة من قِبل الهراطقة والمبتدعين.
القديس أثناسيوس الرسولي: نُفيّ خمس مرات، وقيل له: “العالم كله ضدك يا أثناسيوس”، فكان يجيب “وأنا ضد العالم”، لذا لقب بأثناسيوس المضاد للعالم (Athanasius contra mundum)، ولم يتركه الهراطقة والمبتدعين، فقد إدَّعوا عليه إدعاءات ظالمة وغير شريفة، ولكن في كل هذا لم يتحوَّل أثناسيوس عن موقفه. كما قام الهراطقة بدس تعاليم مزوَّرة وغير سليمة، ونشروا أنها تعاليم القديس أثناسيوس. وهذا ما أوضحه القديس كيرلس فيما بعد.
القديس كيرلس الكبير: من الآباء المدافعين العِظام والذي وقف ضد تعاليم نسطور، وأرسل له رسائل لاهوتية، ولكن نسطور لم يرجع عن ضلاله. ونسطور وأتباعه لم يتركوا البابا كيرلس الكبير، بل اتهموه باتهامات باطلة، إلى حد أن إدَّعوا أنه مخالف للإيمان الأرثوذكسي. وقد أشار البابا كيرلس الكبير لهذه الاتهامات في رسالته رقم 39 حيث قال: “إن بعضًا من أولئك الذين يتصيَّدون الأخطاء بشغف ويطنّوا حول البر مثل زنابير متوحِّشة، وكانوا يتقيأون كلمات حقيرة ضدي، كما لو كنت أقول أن جسد المسيح المقدس قد نزل من السماء وليس من العذراء القديسة…”[1].
وفي نفس الرسالة في نهايتها يشير القديس كيرلس إلى أن البعض يحرِّف تعاليم البابا أثناسيوس الرسولي وكلماته هو شخصيًا فيقول: “ولكن عندما يقوم بعض أولئك الذين اعتادوا أن يقلبوا ما هو صواب، بتحريف كلماتي إلى ما يبدو مُرضيًا أكثر لهم، فلا تتعجَّب قداستكم من هذا، عالمًا أن أولئك الضالعين في كل هرطقة يجمعون من الكتب الموحى بها حُججًا لانحرافهم، مما نُطِق به حقًا بواسطة الروح القدس، ويفسدونه بأفكارهم الشريرة الخاصة ويصبون نارًا لا تنطفئ على رؤوسهم. ولكن حيث إننا نعلم أن البعض قد نشروا نصًا مشوهًا لرسالة أبينا المجيد جدًا أثناسيوس المبارك إلى إبكتيتوس، وهي رسالة أرثوذكسية، حتى أن الكثير أصابهم الضرر، لهذا رأيت أنه من النافع والضروري للإخوة أن أرسل لقداستكم نسخًا منها منقولة من النسخة القديمة الموجودة عندنا والتي هي نسخة أصلية”[2].
وهكذا نلاحظ خداع وحروب الهراطقة ضد آبائنا المدافعين، والمعتبرين جدًا. ولكن هذا حال الشيطان وأولاده دائمًا في كل جيل.
القديس البابا ديسقورس: والذي نال الكثير من الاضطهادات والآلام من أصحاب الطبيعتين، ولكنه حافظ على الإيمان الأرثوذكسي السليم حتى النفس الأخير، ورغم كل ما أُنزل به من متاعب وتعذيب إلا أنه ظل صامدًا، فهو معلِّمنا الذي نسير على طريقه، وبالرغم من سِجلِّه الرائع وتعاليمه النقية وأننا نلقِّبه ببطل الأرثوذكسية، إلاَّ أن اتهامات كثيرة من الهراطقة والمبتدعين والمنشقّين عن الكنيسة وُجِّهت ضد هذا القديس العظيم، الذي يُعدُّ واحدًا من أعظم الآباء المدافعين عن الأمانة الأرثوذكسية. لدرجة أن أصحاب التعاليم الغريبة، يعتبرون أن القديس ديسقورس هرطوقيًا!!!
القديس باسيليوس الكبير: واجه القديس باسيليوس متاعب كثيرة من جراء دفاعه عن الإيمان المستقيم، وأتُّهِم بأنه يعلِّم بالسابيلية فقد “أطلق يوستاثيوس أسقف سبسطية هجومًا على باسيليوس بأن نشر وثيقة كتبها أبوليناريوس أسقف لاودكية أوضح فيها أن الأخير علَّم بالسابيلية، أي عدم التمايز بين الأقانيم الثلاثة، واتهم باسيليوس أنه سند أبوليناريوس في ذلك”[3]. أيضًا واجه القديس باسيليوس اتهامات كثيرة ولفترة طويلة من أصدقائه.. “من أصدقائه أوستاثيوس السبسطي في أرمينيا لمدة سنوات، لكن أوستاثيوس بدأ ينحرف تدريجيًا نحو الآريوسية وسبَّب له مشاكل كثيرة واتهامات لمدة ثلاث سنوات، ولم يتفوَّه القديس باسيليوس بكلمة ضده”[4].
البابا شنوده الثالث:
كما واجه القديس أثناسيوس الرسولي متاعب واتهامات كثيرة، وكما حرَّف البعض كلمات القديس كيرلس الكبير وزوَّروا نُسخًا للقديس أثناسيوس، وكما اتهم البعض بوقاحة القديس البابا ديسقورس بالهرطقة، وكما وُجِّهت للقديس باسيليوس الكبير اتهامات باطلة وإدعاء بأنه يتبع تعاليم الهراطقة.. هكذا الأمر مع المدافع الأرثوذكسي قداسة البابا شنوده الثالث، فلا نتعجَّب عندما نجد كلمات خارجة أو إدعاءات باطلة توجَّه ضد قداسته، فهذا حدث مع كل الآباء المدافعين.
فقداسة البابا شنوده الثالث الذى دافع وعلم عن طبيعة السيد المسيح ، والذى صاغ قداسته الوثيقة المشتركة بيننا وبين الكنائس الكاثوليكية حيث كان أول حوار لاهوتي حول هذا الموضوع في ڤيننا بالنمسا في سبتمبر 1971م في اجتماع نظمته هيئة Pro – Oriente، ووصلنا إلى إتفاق على صيغة لاهوتية وافق عليها إخوتنا الكاثوليك، وإخوتنا من الكنائس الأرثوذكسية الشرقية القديمة؛ السريان والأرمن والإثيوبيون والهنود. بعد ذلك تم توقيع إتفاق رسمي مع الكنائس الكاثوليكية، بعد 17عامًا (سنة 1988م) على أساس ما اتفقنا عليه من قبل..). يتهم بالنسطورية.!!!!
قداسة البابا الذى وضع لنا كتاب طبيعة المسيح الذى نتتلمذ عليه فى اعداد الخدام واجتماعات الخدمة والاكليريكيات والمعاهد الدينية، يتهم بالنسطورية، قداسة البابا الذى له مئات المحاضرات فى اللاهوت المقارن والرد على البدع والتعاليم الغريبة يتهم بالنسطورية!!
قداسةالبابا الذى كتب بحث متكامل عن الذبيحة المقدسة فى المسيحية. وكتب عن سر الافخارستيا فى كتاب الخلاص فى المفهوم الأرثوذكسى. وكل هذه التعاليم تعاليم كتابية وآبائية. قداسة البابا الذى كتب لنا لاهوت المسيح،وعشرات المحاضرات فى الرد على الآريوسيين[5]، وكتب لنا،الروح القدس وعمله فينا، والخلاص فى المفهوم الأرثوذكسي، والكهنوت ….ألخ وكتب عن البدع والهرطقات وفند ورد على كل ذلك . يتهم بأن تعاليمه ليست ارثوذكسية، عندما يحدث هذا يجب أن لا نتعجب، فهذا ما حدث مع كل الآباء المدافعين من قبل كما سبق وأوضحنا.
وأخيرًا نقول كما قال البابا ديسقورس: “أما أنا فلا أتزعزع قيد أُنملة عن إيمان الكنيسة الجامعة الرسولية. إن أفكاري كلها متَّجهة نحو خالقي، فلا أبالي بمخلوق ولا أهتم إلا بخلاص نفسي وبالمحافظة على العقيدة والإيمان المستقيم”. وأيضًا قوله: “أنا لا أُجدِّد.. أنا أحمي وديعة الإيمان، أنا لا أبتدع.. أنا أحافظ على ما قاله الآباء”[6].
وهذا ما قاله قداسة البابا شنوده الثالث: “نحن ككنيسة تقليدية Traditional وكنيسة محافظة Conservative نحافظ على الإيمان الرسولي المسلَّم لنا من القديسين (يه3) ولا نبتدع شيئًا في الدين ولا ننقل التُخم القديم الذي وضعه آباؤنا. وهذا الإيمان الواحد هو إيمان كل عضو من أعضاء الكنيسة، مصدره الأساسي هو الكتاب المقدس، ثم أقوال الآباء القديسين وقوانين المجامع المقدسة المعتمدة”[7].
وهكذا ذهب كل المبتدعين وعاشت تعاليم الآباء المدافعين على مرِّ الأجيال، وتبقى الكنيسة قوية وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.
[1] عن رسائل القديس كيرلس الإسكندري إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي، ترجمة د. موريس تواضروس، ود. نصحي عبد الشهيد (2001م) صـ32
[2] المرجع السابق صـ35 – 36
[3] ملطى، تادرس يعقوب (القمص)(2011م) القديس باسيليوس الكبير سيرته ومنهجه مع روائع من كتاباته الجزء الأول صـ103
[4] المرجع السابق، صـ141
[5] انظر موسوعة اللاهوت المقارن للبابا شنوده الجزء الثانى : الرد على الآيات التى أساء فهمها الآريوسين، إصدار مركزمعلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث. وهذا الكتاب مدعم بالمراجع الآبائية المتفقة تماما مع فكر البابا شنوده الثالث.
[6] أمير نصر: الكنيسة تواجه الهراطقة صـ155
[7] مرجع سابق صـ7
بقلم : ملاك بشرى حنا
باحث بمركز معلم الأجيال